الخطيب الشربيني

258

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يعمل المعصية ويتمنى المغفرة . وروي أنّ الحارث بن عمرو أتى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال متى قيام الساعة وإني قد ألقيت حبا في الأرض فمتى السماء تمطر ، وحمل امرأتي أذكر أم أنثى وما أعمل غدا وأين أموت ؟ فنزل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ أي : بما له من العظمة وجميع أوصاف الكمال عِنْدَهُ أي : خاصة عِلْمُ السَّاعَةِ أي : وقت قيامها لا علم لغيره بذلك أصلا وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ أي : في أوانه المقدّر له والمحل المعين له في علمه ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي ، والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أي : من ذكر أو أنثى أحيّ أو ميت تامّ أو ناقص وَما تَدْرِي نَفْسٌ أي : من الأنفس البشرية وغيرها ما ذا تَكْسِبُ غَداً أي : من خير أو شرّ وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه . وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ : أَرْضٍ تَمُوتُ أي : كما لا تدري في أي وقت تموت ويعلمه الله تعالى ، وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : جاء رجل من أهل البادية فقال : يا رسول الله إنّ امرأتي حبلى فأخبرني ما تلد ، وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث ، وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعن عكرمة أنّ رجلا يقال له الوارث من بني خازن جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة وقد أجدبت بلادنا فمتى تخصب ، وقد تركت امرأتي حبلى فمتى تلد ، وقد علمت ما كسبت اليوم فماذا أكسب غدا ، وقد علمت بأيّ أرض ولدت فبأي أرض أموت ؟ فنزلت هذه الآية ، وعن قتادة قال : خمس من الغيب استأثر الله بهنّ فلم يطلع عليهنّ ملكا مقرّبا ولا نبيا مرسلا : إنّ الله عنده علم الساعة فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة في أي سنة ولا في أي شهر أليلا أم نهارا ، وينزل الغيث فلا يعلم أحد متى ينزل أليلا أم نهارا ، ويعلم ما في الأرحام فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى أحمر أم أسود ، ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا أخيرا أم شرا ، وما تدري نفس بأي أرض تموت ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض أفي بحر أم في برّ أم سهل أم جبل . وعن أحمد وابن أبي شيبة موقوفا على شهر بن حوشب أنّ ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا ؟ فقال : ملك الموت ، فقال : فكأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ، فأمر سليمان الريح فحلمته إلى بلاد الهند فوق سحابة فلما استقرّ فيها قبض روحه ملك الموت ، عليه السّلام ثم جاءإلى سليمان عليه السّلام فسأله عن نظره إلى الرجل ، فقال ملك الموت : كان دوام نظري إليه تعجبا منه إذا أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك ، وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهنّ إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا متى تقوم الساعة إلا الله ، ولا ما في الأرحام إلا الله ، ولا متى ينزل الغيث إلا الله ، وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله » « 1 » . وعن أبي هريرة رضى الله تعالى عنه أنّ رجلا قال : يا رسول الله متى الساعة ؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثكم بأشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الاستسقاء باب 29 ، وتفسير سورة 13 ، باب 1 ، والتوحيد باب 4 ، وأحمد في المسند 2 / 24 ، 52 ، 58 .